هل هي حملة لتنظيم السوق والميادينْ؟ أم هي تصفية للفقراء والمساكينْ ؟!!

سبت, 11/21/2015 - 13:48
بقلم: المصطفى أمون  moustapha.mon@gmail.com بريد ألكتروني:

منذ أكثر من أسبوعين تقوم بلدية كيفه بحملة شرسة ولا هوادة فيها         لما تسميه هي حملة تنظيم السوق أو تنظيفه أو أو...,

ومع أنه لا مراء في أهمية حملة من هذا القبيل بل وأحْرويتها إذا ما كانت جادة وسليمة ومستديمة..., لما يتوخى منها من تنظيف السوق وتنظيمه وتأمينه وانسيابية المرور به ووو...., إلاّ أنها قد يترتب عليها ما لا يحمد عقباه لا قدر الله إذا ما نفذتْ بطريقة ارتجالية وغير مدروسة.., فالسوق بمدينة كيفه قبل هذه الحملة الشرسه, يوجد في جميع أزقته وأطرافه وأمام حوانيته وعلى نواصي شوارعه: عشرات بل مئات الباعة الصغار الذين لا حول لهم ولا قوة تمكنهم من تمويل أو تأجير حوانيت بالسوق يستظلون سقوفها أو يلجئون إلى أكنافها إذا ما داهمهم مكروه, أو باغتهم مرهوبٌ....,  فمنهم النساء الأرامل ومنهم الصغار الذين لم يبلغوا الحلم وقد هجروا كراسي الدراسة ومرابع الطفولة والصبا تحت مسيس الحاجة والفاقة التي بطشت بهم وبذويهم فدنستْ طفولتهم البريئه, ومزقتْ أحلامهم الجميله...

   ومنهم الشيوخ وقد بلغوا من الكبر عُتيا يكابدون مشقة ضنك العيش لأطفال خلفوهم وراء ظهورهم زغب الحواصل لا ماء ولا شجر....

ومنهم ومنهم ....والقائمة تطول, والمعاناة بلا سقف ولا حدود....!!!

لقد كان حريا ببلدية كيفه وهي تزمع القيام بحملة كهذه النظر والتحري في ظروف هؤلاء الفقراء والمساكين حدّ الفاقة, بل الأجدر بها أن توفر لهم بدائل وخيارات أخرى يلجئون إليها, لا أن ترمي بهم على قارعة الطريق ومهامه التيه والضياعْ..., غير مكترثة لما يترتب على ذلك من ألم ومعاناة......!!

فما ذا تقول: مبروكه وزينب ومسعوده بل ما ذا يقول محمد وفاضل وبلال لصبية تركوهم ينتظرون ما يسدّ رمقهم زوالا بعد أن يئسوا منه صباحا؟!! هل يعللونهم بالأماني علّها تتحقق يوما ما؟ أم يبوحون لهم بواقعهم المرير؟!  رحم الله أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب وهو يبكي ويقول: (والله لو عثرتْ بغلة بالعراق لسألني الله عنها لم لمْ تمهّدْ لها الطريق يا عمر)

وقصته الشهيرة مع أمّ الصبية التي وقف عليها في تحسسه لأمور المسلمين ليلا وهم يتضاغوْن من الجوع والطّوى فقال لها: ما بالهم يبكون فقالت: من الجوع فقال لها: ما في هذه القدر فقالت إنما هو ماء أضعه على النار أتعلّلهم به حتى يناموا ثم أعرضتْ عنه وهي تقول: الله الله في عمر فقال لها: (وما ذنب عمر يا أمة الله) فقالت له: أيلي أمرنا ويغفل عنا؟؟!!! فما كان منه إلاّ أن ذهب فورا إلى خازن بيت مال المسلمين وقال له: ضع خنشة من القمح على ظهري فقال له بل أحملها عنك يا أمير المؤمنين فقال له: (ثكلتك أمّك أتحمل عني ذنوبي يوم القيامة ضعها على ظهري) فحملها وذهب بها مسرعا إلى المرأة وأطفالها فقال لها: (أعجني العجين وأتولى تأجيج النار تحت القدر) وما زال ذلك دأبه والدخان يتخلل ذقنه ومنافذه رضي الله عنه وأرضاه حتى نضج الطعام وأكل الصغار وناموا ثم قال لها: (يا أمة الله إذا كان الصباح فأتي إلى مجلس أمير المؤمنين عمر فسأكلمه بشأنك) ثم حمد الله ومضى لسبيله,.                                             فلما كان الصباح استأذنت المرأة في الدخول على أمير المؤمنين فأذن لها فلما دخلت فإذا بأمير المؤمنين عمر والصحابة عن يمينه ويساره فسقط في يديها وصاحتْ يا ويْلاه لقد أسأت على أمير المؤمنين في وجهه البارحة فقال لها [لا بأس عليك بكم تبيعين ظلامتك من عمر فرفضتْ فلم يزل بها حتى باعته ظلامتها بكذا وكذا فدفعها إليها نقدا وقال لعلي ابن أبي طالب اكتب هذا ما اشترى به عبد الله عمر ابن الخطاب من فلانة ابنة فلان ظلامتها وقال له: أحفظ هذه الورقة وضعها معي في كفني إذا متّ]  والقصة معلومة ومشهورة وإنما سقتها هنا تبركا واتّعاظاً..., فرضي الله عن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب وأرضاه ما أعدله وما أرحمه وما أشد مخافته من ربه جلّ وعلا.

وخلاصة القول أنه على كل مسئول ولي شيئا من أمور المؤمنين أن يطرح على نفسه هذه الأسئلة قبل فوات الأوان: هل أنا أقدر على النار من عمر؟؟! وهل هو أحوج إلى الجنة مني؟؟!! أم هل لديّ من الله كتاب ببراءتي من النار؟؟!!  وهل أعطيت لكل ذي حق من رعيتي حقه؟؟ وعليه أن يعدّ للسؤال جوابه وللجواب صوابه, قبل أن لا تكون ساعة مندم ولاة حين مناص على حدّ قول القائل:

ندم البغاة ولاة ساعة مندم***والبغي مرتع مبتغيه وخيم

 

(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب)