
يقول ولد الددو، في تقديمه لمذكرات ولد الوالد، " الشيخ العالم، الداعية، المجاهد، الباذل، الناصح..."ج1/5. ثم يضيف "... المجاهد البطل الشجاع، كلما سمع هيعة طار إليها، لا يركن إلى اللعاعة، ولا يبحث عن المكاسب الدنيوية،..."ج1/6. يتلو الددو، ولا بد، قوله تعالى: ستكتب شهادتهم ويسألون!!! لم يشتهر ولد الوالد بالبذل، وإنما بجمع التبرعات، ولم يجاهد لحظة واحدة. إلا إذا كانت الإقامة في أفغانستان على نفقة بن لادن جهادا في عرف الددو. أما المكاسب المادية فقد حظي بها، ولم تسع
إليه في سباخ انواكشوط، وإنما اعترف أنه كان تواقا إلى الغنى "ومراهقا يتعلم أصول التجارة، ويستهويه الثراء! "ج1/10. ستنقلب الهواية إلى شغف، والشغف إلى حرفة تعلم "المجاهد" أصولها في السودان، وطور أساليبها في أفغانستان. لقد تغيرت أحوال "المجاهد" المادية سريعا؛ من فقر مدقع "كان علي أن أوفر من المنحة التي أتقاضاها جزءا مهما من ثمن التذكرة وتكاليف السفر."ج1/105. إلى "ثراء": "هل لديك استعداد لدفع مبلغ إضافي مقابل الحصول على حجز... قلت نعم، ودفعت المبلغ دون تردد."ج1/214. بين التوفير من منحة زهيدة، إلى دفع مبلغ إضافي دون تردد، عدة شهور قضاها بين مضافات بيشاور، ومعسكرات القاعدة، فمن أين حصل ولد الوالد على مال يبدو وفيرا؟ لم يذكر أنه زاول أي عمل مقابل أجر، ولم يترك خلفه في موريتانيا من يملك فائضا من المال يرسله إليه. لم يبق سوى التبرعات التي كانت تتدفق على المجاهدين، فلعله كرع فيها دون أن يطلق رصاصة واحدة، أو يتدرب على تفكيك وتركيب سلاح فردي، أويطأ موطئا يغيظ الكفار، أو ينال من عود نيلا، إنما كان ينفق أموال التبرعات على رحلاته "قلت لسلطة الجوازات السعودية إنني مستعد لدفع ثمن تذكرة على أي خط يوصلني لموريتانيا."ج1/227.
سينفق ولد الوالد أموال التبرعات على رحلاته التي تحمل عنوان "التفرغ... لطلب العلم الشرعي عند بعض كبار العلماء..." لكنها تنقلب رحلات ترفيهية وسياحية "وفي منتصف سنة 1415ه (ربيع سنة 1995م) سافرت إلى سوريا."ج1/304.
من الصفحة 304 إلى الصفحة 314 يتحدث "المجاهد طالب العلم الشرعي" عن المعالم السياحية في سوريا. ولم يذكر "من بين الذين زرتهم" سوى الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، ولم يذكر من مناقبه سوى أن مستفتيه لا يسألون عن عباداتهم، ولا عن معاملاتهم "كلهم يسألون عن مسألة واحدة هي حكم من طلق زوجته ثلاث تطليقات أو أكثر دفعة واحدة، أو طلق زوجته وهو غضبان."ج1/311. يمتاز هذا "الشيخ الدمشقي" بأنه يجعل الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، طلقة واحدة، ولا يعتد بتطليق الغضبان. هذا كل ما استفاده محفوظ من رحلته "العلمية" إلى جلق، وهي فائدة لا تختلف كثيرا عن "أم ادخيلة"... ستفتح "الرحلة الدمشقية" شهية محفوظ إلى الرحلات "العلمية السياحية" فيطير على أجنحة أموال التبرعات للجهاد الأفغاني إلى اليمن. "زيارتي لصنعاء كانت في ذي القعدة 1425ه (إبريل 1995م)،..."ج1/319. وكما حدث في زيارة دمشق سيدعي محفوظ زيارته "العديد من الجمعيات، والهيئات، والمراكز، والشخصيات العلمية والثقافية. وحضرت بعض الدروس عند بعض المشايخ المعروفين في صنعاء." دون أن يسمي
مثالا واحدا.ج1/321. على أن الرحلة "العلمية" إلى صنعاء لم تكن بلا فائدة؛ فقد عرف منافع القات ومضاره، وحكم تخزينه، واكتشف تفسيرا لترك اليمانيين سراويلهم على أبواب المساجد. ستمنع الظروف الأمنية "المجاهد السائح" من اكتشاف مزيد من المعالم السياحية في صنعاء "وبعد أسبوع حافل بالنشاطات والمشاهدات الجديدة والمثيرة في صنعاء، وقبل انتهاء المدة الزمنية المخصصة للزيارة عدت إلى السودان."ج1/323. كانت حصيلة الرحلتين "العلميتين" متواضعة؛ فتوى شاذة عن الطلاق بالثلاث في لفظ واحد، ونظم حول حكم تخزين القات... لعل حنينا رضي، عوضا عن راحلته وزاده، بخفين يقيانه الرمضاء. أما محفوظ فقد كانت راحلته وزاده من أموال التبرعات لذلك لا ينتظر عوضا، ولو كان خفين، يكفيه ما ظفر به من سياحة على نفقة "قاعدة الجهاد". ستزيد ثروة "المجاهد" باطراد بعد انتقاله إلى أفغانستان للعيش إلى جانب أميره أسامة بن لادن. لكن حياة التقشف التي يعيشها مجتمع القاعدة في أفغانستان لم تكن مغرية لرجل يهوى الثراء. ترك "المجاهد" عضو مجلس شورى القاعدة، ورئيس لجنة إفتائها، سكن بيوت الطين مع المجاهدين إلى جوار الملا عمر في بيت من ثلاثة طوابق كان مقرا للأمم المتحدة، تصفه زوجه بأنه واسع فسيح. وتضيف أنهم الأسرة الوحيدة التي تمتلك سيارة، فمن أين لهم المال؟ لا يمل محفوظ من وصف بن لادن بالمليونير المفلس، بعد خروجه من السودان، ويسهب في تبرمه من شح مخصصات القاعدة لأفرادها. ولم يذكر أنه حين انشق والتحق بطالبان أسندت إليه أي وظيفة بأجر، فمن أين جاء بكل هذا المال؟
علينا أن نفترض، بناء على المعطيات، أنه مارس عملية "تبييض التبرعات" من خلال إنشاء "معهد قندهار للدراسات العربية والإسلامية" الذي افتتح "في العام 1420ه (1999م)، وأشرف عليه أبو حفص الموريتاني. لا يتكلم محفوظ عن مصادر تمويل هذا المعهد، وإنما يكتفي بأن تأسيسه تم بالاتفاق مع أسامة بن لادن، وقد كان بن لادن، حسب رواية محفوظ، مفلسا، فمن أين جاء تمويل معهد اكتتب طلاب العلم " من خارج أفغانستان وداخلها"، ولقي "عند افتتاحه إقبالا كبيرا..."ج2/121. لم يذكر محفوظ أي صلة لحكومة طالبان بالمعهد حتى تكون مصدر تمويله. فلم يبق سوى أموال التبرعات المتدفقة بسخاء، فاقتطع محفوظ جزءً منها لتمويل مشروعه الذي يشرع به الصرف الباذخ على أسرته. حين أبلغ محفوظ أسامة باستقالته، في شهر جمادى الثانية 1422ه (يوليو 2001م)، " من العمل معه، والتفرغ للعمل الدعوي والتعليمي والإعلامي مع حركة طالبان." سأله "لمن أسلم مسؤولية المعهد؟... ثم قال لي: إن كنت مصرا، فسلمها للدكتور أيمن الظواهري، لكن لا تستعجل في الأمر."ج2/189. التزم محفوظ بنصيحة أسامة، فلم "يستعجل" بتسليم المعهد للظواهري؛ فلم يذكر أنه سلمه له إلى يوم الناس هذا.
يعني ذلك أن محفوظ احتفظ لنفسه بخمسة أشهر (أغسطس، سبتمبر، أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر) من ميزانية المعهد. وإذا افترضنا أنه صرف منها على المعهد لغاية الحادي عشر من سبتمبر، فإن ميزانية ثلاثة أشهر لم يصرف منها فلس واحد على المعهد، ولم يذكر ولد الوالد أين ذهبت تلك الميزانية. ستخبرنا زوجه أنها كانت تحمل أموالا طائلة في طريق لجوئها إلى إيران، وأنهم اشتروا بيتا في طهران. وسيخبرنا هو نفسه أنه كان يحمل معه مبلغا من المال لتقديمه رشوة عند الحاجة، ومواقف أخرى عديدة يظهر فيها بعد الشقة بين التوفير من منحة دراسية زهيدة، والاستعداد لدفع عشرة آلاف دولار (10.000) تعويضا عن أضرار ألحقها السجناء بسجنهم...
(يتبع، إن شاء الله).
د.اسحاق الكنتي









.gif)


.gif)