
لقد أحدثت زيارة خالد العليان تغييرا كبيرا في نظرتي تجاه إمكانيات وسائل التواصل الاجتماعي عموما والتيك توك خصوصا؛ إذ اللافت في هذه القصة أنها بدأت بدعوة طفل موريتاني في كنكوصة؛ موريتانيا الأعماق، دعوة عابرة شكك كثيرون في تلبيتها حتى بعد إشهار وعد الإنجاز من الضيف المدعو، وتسجيلات هؤلاء وتهكمهم موثق على التيك توك أساسا.
تحولت دعوة هذا الطفل البريء المسالم المُحب للقرآن إلى زيارة حقيقية أظهرت استقبالا شعبيا واسعا، واظهرت شخصية خالد العليان (المؤثر السعودي) من خلال تفاعلاته مع كل من لقيهم على جنبات الطريق إلى كنكوصة؛ رغم اختلاف ألوانهم ومستوياتهم الاجتماعية، وقبل ذلك في انواكشوط كان جلوسه ببساطة إلى بائعة (بنة) يختزل كثيرا من التواضع والإنسانية؛ على مشاهيرنا استخلاص العبر منه والسير على نهجه.
إن إشارات خالد الخالدة الجلية إلى اعتزازه بالهدية (القرآن) وتنبيهه للناشئة على قيمة وعظمة القرآن أعطى للزيارة بعدًا إنسانيًا وروحيًا يتجاوز مستوى تفاعلات الشهرة، وتقديم العطور، ومجرد تبادل الهدايا.
وهنا يمكن صياغة الفكرة التي توصلتُ إليها عقب هذه الزيارة:
تيك توك ليس بريئًا ولا بذيئاً... وإنما البوصلة هي التي تحدد الاتجاه
فالمعاريض هي مناط الحكم النهائي على الأشياء؛ فلقد كنت قبل هذا أنظر إلى تيك توك تحديدا باعتباره فضاءً تنتشر فيه البذاءة المكثفة، وإن وجدت البراءة فغالبا مصطنعة، ويكثر فيه الاستعراض الفاضح، والمحتوى السطحي الهابط، والتنافس في الفضائح لفظا وغاية، وكذا نشر الغسيل، وكشف المستور، وتقليد الآخرين على علاته.. لكن تجربة خالد العليان فتحت زاوية أخرى عنوانها العريض: الشاب الذي يمتلك ملايين المشاهدات يستطيع أن يجعل الفضيلة نفسها محتوى جذابًا.
وهناك نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للشباب الموريتاني فلننتبه إليها:
فإذا كان طفل ما يستطيع أن يدعو مؤثرًا سعوديًا أو مؤثرا آخر إلى بلاده، وإذا كان ذلك المؤثر يستطيع أن يحول رحلته إلى قصة إنسانية يتابعها الناس بشغف، فهذا يعني أن وسائل التواصل يمكن أن تصبح جسرًا بين القيم وملايين المستخدمين، لا مجرد وسيلة للترفيه.
والأهم أن القرآن والحياء والكرم والأخلاق ليست بالضرورة أشياء قديمة لا تصلح لعصر تيك توك؛ وهذا ما أظهرته ورسخته هذه الرحلة، فالمشكلة ليست في أن الشباب لا يحبون الفضيلة؛ المشكلة أن الفضيلة كثيرًا ما تُقدَّم لهم بأسلوب لا ينافس أساليب المحتوى الحديث.
ملاحظة ومقارنة خفيفة:
لقد شاهدنا في الأسابيع الماضية جولة لبعض المشاهير الموريتانيين داخل البلاد؛ لكن المتأمل في أثرها يدرك حقيقة أنه كما قيل: شتان بين الثرى والثريا.
(لشتان ما بين اليزيدين في الندى... يزيدُ سُليمٍ والأغرَّ ابنِ حاتمِ
فهَمُّ الفتى الأزديّ إتلافُ ماله... وهَمُّ الفتى القيسيّ جمعُ الدراهمِ).
فهذا الضيف العابر عكْسَ هؤلاء أبناء البلاد التي يجولون فيها طولا وعرضا؛ كانوا في كل محطة أو توقف يصدر عنهم تهكم على شكل المدن أو طبيعة القرى أوحال الساكنة!، ولم ينشروا كلمة واحدة اطلعنا عليها تدعم رُسوخَ الفضيلة؛ بل اكتفوا بالاستعراض القبيح، والاختلاط الفاضح، ومزاوجة انفاس الرجال بالنساء في خلوات أكثرها في أعماق الفلوات!.
خلاصة القول:
لم يعد السؤال المطروح والذي كان يؤرقنا: كيف نحمي شبابنا من تيك توك؟ بل أصبح: كيف نجعل تيك توك نفسه يخدم قيم شبابنا وينشر الفضيلة بينهم وكيف ندعم به تعليمهم؟
وهذا يقود إلى فكرة أكبر: بدل أن نترك خوارزميات المنصات تصنع ذوق أبنائنا وحدها، علينا أن نصنع محتوى قيميًا جميلًا، صادقًا، خفيفًا ومبدعًا يستطيع منافسة المحتوى الهابط المنتشر.
وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول بلادنا، بما لديها من المحاظر والقرآن والعلماء والتراث والقيم الاجتماعية، من بلد يشتكي من مخاطر تيك توك إلى بلد يقدم نموذجًا لمحتوى أخلاقي جذاب على تيك توك، بل أبعد من ذلك يمكن أن يكون التيك توك وغيره من منصات التواصل الاجتماعي؛ معينا تربويا من خلاله نحقق أبعادًا ومراميّ تربوية كبرى، إذا كان التوجيه والإشراف يخدم ذلك، عكس فوضوية الاستخدام التي يلاحظ معها انشغال التلاميذ في الفصول، وفضاءات المدارس بهذه الوسائط، وبما يحويه الهاتف الذكي من ملهيات وشواغل عن التحصيل العلمي؛ خاصة أثناء الدروس أو في فترات الاستعداد لها، ولن يكون ذلك دون اعتماد منع دخول الهاتف الذكي إلى الفصول الدراسية؛ واعتماد منصات وبرامج تخدم التحصيل العلمي في الفترات الأخرى أثناء عودة التلاميذ إلى المنازل ومغادرة الفضاءات المدرسية بأسلوب شيق جذاب وترفيهي أحيانا.
إذن علينا أن نفهم أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين؛ يمكن أن نستفيد منه استفادة قصوى، ونجعله وسيلة مثمرة بيد أبنائنا في الوقت المناسب واللحظة المناسب، ونضمن الاستفادة من المحتوى المفيد الذي ينشر الفضيلة، والابتعاد عن المحتويات التي تغذي الرذيلة وتنشر البذاءة وتهدم البيوت.
عثمان جدو









.gif)


.gif)