مالي.. من ينفخ في النار؟

جمعة, 12/11/2015 - 18:05

بعد مرور أيام قليلة على هجمات باريس الإرهابية، شهدت العاصمة المالية باماكو العديد من العمليات الإرهابية أولها : اقتحام مسلحين أحد الفنادق واحتجاز 170 رهينة من جنسيات مختلفة مما أسفر عن سقوط أكثر من 27 قتيلا،..

وتبنى تنظيم "المرابطون" عملية احتجاز الرهائن، وجاء هذا الهجوم عقب حصار فندق فى بلدة سيفارى فى أغسطس الماضى لقى فيه 5 من موظفى الأمم المتحدة مصرعهم، إضافة إلى 8 من الجنود والمهاجمين.

وثانيها: هاجم مسلحون مجهولون قاعدة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فى بلدة كيدال مما أسفر عن مقتل 3 وإصابة 20 آخرين، وأعلنت جماعة "أنصار الدين" مسئوليتها عن الهجوم.

وآخر هذه العمليات قيام مسلحين بالهجوم على شاحنة تقل مهاجرين يوم الأحد الماضي، مما أدى إلى مقتل 4 وإصابة 6 آخرين.

ودفعت خطورة هذه العمليات وشدتها الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند إلى الإسراع بعرض المساعدة على رئيس مالى وإرسال 40 ضابطا من وحدة الشرطة العسكرية المتخصصة فى معالجة احتجاز الرهائن، كما دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات خاصة للمساعدة فى جهود الإنقاذ، ومؤخرا قررت ألمانيا إرسال 650 جنديا لتخفيف العبء على فرنسا.

ومعلوم أن متمردى الطوارق وبعض الجماعات المتشددة سيطروا على شمال مالى فى عام 2012، قبل أن يتراجعوا فى عملية قادتها فرنسا مطلع 2013.

وجماعة "المرابطون" التى تبنت عملية احتجاز الرهائن فى الفندق هى حركة مسلحة تأسست فى 2013 بعد عملية اندماج بين مجموعة الجزائرى مختار بلمختار ومنظمة أخرى مرتبطة بتنظيم القاعدة. وفى مايو الماضي، أكد بلمختار مجددا مبايعة جماعته لتنظيم القاعدة، ونفى ولاءه لتنظيم داعش الذى كان قد أعلنه قيادى سابقا فى "المرابطون". وفى بيان فى يوليو الماضي، نأت هذه الجماعة من جديد بنفسها عن تنظيم داعش وأعلنت ولاءها للقاعدة ووقعت بيانها باسم "المرابطون ــ قاعدة الجهاد فى غرب أفريقيا".

وأكد هذا البيان أن خالد ابو العباس ــ الاسم الذى يعرف به بلمختار فى الأوساط التكفيرية ــ "انتخب من قبل مجلس شورى المجاهدين أميرا" للجماعة.

والحقائق على الأرض تشير إلى أن الهجمات السابقة وتعددها خلال فترة زمنية قصيرة يدل على هشاشة الوضع الأمنى فى البلاد رغم اتفاق السلام الذى تم التوصل إليه فى يونيو الماضى بين متمردى الطوارق السابقين فى شمال البلاد والجماعات المسلحة الموالية للحكومة.

كما أن الجماعات المسلحة برهنت بالهجمات الأخيرة أنها بمقدورها الوصول إلى عمق باماكو ومحيطها واستهداف مناطق حيوية عدة، وبالتالى يمكن لها نقل المعركة من الصحراء الشمالية إلى قلب العاصمة، مركز السلطة وصاحبة القرار السياسي، حيث تتواجد جالية فرنسية كبيرة، وأيضا القيادة العسكرية الفرنسية لعملية "برخان" التى تستهدف محاربة الإرهاب وقوامها ثلاثة آلاف جندي.

ويبدو أن تزامن هذه العمليات مع هجمات باريس يوضح أن الجماعات المتشددة والمسلحة تنتشر فى أماكن متفرقة من العالم وتجمعها أهداف واحدة، وأن هذه العمليات قد تكون بداية لموجة جديدة من الهجمات الإرهابية تطول أوروبا والولايات المتحدة، وتدخل فيها أفريقيا فى الصراع أيضا.

وبدا أيضا أن مطالب جماعة المرابطين بإطلاق سراح "متشددين فى سجون مالي" ووقف العدوان على ما سمته "أهالينا" فى شمال البلاد" كشرط للإفراج عن الرهائن المحتجزين تعكس مدى إصرار تلك الجماعات على مواصلة القتال بشتى الطرق، ونشر نشاطها إلى نطاق أوسع، بحيث تصل مسامعه إلى القارة الأوروبية.

وإذا كانت خريطة العنف فى مالى تتسع يوما بعد يوم، فإن المؤكد هنا أن طرق المواجهة لا يجب أن تكون عسكرية وأمنية فقط، إذ إن بعض الجماعات المسلحة فى مالى لا تنتمى جميعها إلى التطرف الإرهابي، وإن لبعضها مطالب مدنية خاصة بالمكان أو بالعرق أو بالحقوق السياسية، وهى مطالب مشروعة، فبعضها يحمل شعارات مثل أن التدخل العسكرى الفرنسى فى مالى لا يهدف إلى إعادة الاستقرار إلى مالي، وإنما حماية مصالحها فى المنطقة والحفاظ على النفوذ الفرنسى فى غرب أفريقيا، وبخاصة مالى التى تمتلك موارد معدنية نفيسة مثل الذهب والحديد والبوكسيت، بالإضافة إلى مناجم اليورانيوم فى النيجر المجاورة، والتى تلبى أكثر من ثلث حاجات محطة الطاقة النووية الفرنسية من المواد الخام. فهل يؤدى هذا الخطاب إلى تنامى التطرف والعنف فى مالى وغيرها من دول القارة فى الفترة المقبلة؟ هل الأمور تتجه إلى التصعيد وربط مالى بشبكة الإرهاب العالمية بشتى الوسائل؟
 

عن صحيفة الاهرام المصرية