ثلة من الأولين و قليل من الآخرين

خميس, 11/09/2017 - 10:30
الولي سيدي هيبه

بأقلام مأجورة و بأبخس الأثمان أسدى منذ أمد يكاد يقارب عمر الدولة و على مر الأحكام أقوامٌ في عز شبابهم ـ و منهم من لا يزال يفعل و هو في خريف العمر الذي يتهدده الصيف الحارق ـ و قد حسبوا أنفسهم جرأة و افتراء على مهنة الصحافة، أسدوا خدمات دنيئة مزجوا فيها الإخبار بالاستخبار فأودت بأبرياء عُزلوا و آخرين أكفاء هُمشوا حتى عانوا القهر النفسي و الحرمان المادي في عطايا كانت لهم من الوطن على استحقاق و بالجدارة، كما رفعوا شأن من لا شأن لهم و مكنوا لهم في دوائر النفوذ و القوة و منهم وزراء ميعوا الحقل بخبرتهم و غيروا بتسميمهم الأحرف المشرقة مسارات و مآلات ما كانت هي الأخرى إلا لتجدي و تُثمر في حراك البلد المتأرجح بين كفتي التخلف بوجهيه "التنموي" و "الحضاري" و الفساد بشكليه في "التسيير" و "التبذير"؛ مسارات لو قدر لها أن حادت يوما عن "عرساتهم" و "حاناتهم" و سُقيت بماء "المكرمات" من معين السياسة الفاضلة و حرست بأعين رجال الإعلام "الملتزمين" الذين لم يكونوا يومها - لإصرارهم على تمثل قيم الفروسية و أخلاقيات المهنة - بـأحسن حالا من غيرهم ليُعمدَ إلى شلهم و يُعمل على إبعادهم عن مسرح عملهم و قد سُلّم عمدا للدخلاء القادمين من كل فج عميق.
و الحقيقة المرة أنه مع هؤلاء ابتذلت من يومها مهنة الصحافة و كانت ورقية و أصابَها قحطُ النفاق و عدوى الاستخبار و داءُ كلب التحصيل حتى خارت قواها و خبا وهجها و نضب معينها فلم تخرق عهد الأسود و الأبيض إلى نطق الألوان بمعاني الصورة و الكلام.
و حملت هذه المهنة المطعونة في الصميم جراح الخيبة إلى الأثير الالكتروني الذي جاء لاحقا فساء حالها أكثر و طفقت تتخثر محتوياتها و تعم بلواها حتى أضحت المواقع تعد بالمئات و الصحفيين في لجان التحرير أضعف عدد المواقع مرات.
ثم أخيرا تحرر الفضاء السمعي البصري فظهرت قنوات تلفزيونية و أنطلقت محطات إذاعية لم تسلم جميعها من حضور أصحاب الخرق الفاضح لأدبيات و اشتراطات المهنة الذين :
· ميعوا المحتوى،
· قهروا الشباب،
· قتلوا المواهب،
· و ضيعوا على البلد و الديمقراطية فيه فرصة ثمينة لصالح مساراته التنموية و الاجتماعية و السياسية،
حتى فقدت بريقها الأول هذه التلفزيونات و الإذاعات - التي شكلت بحق فتحا إعلاميا مبينا - و تعثرت بعد قفزتها المبهرة عند الانطلاق بفضل شباب حيوي متميز و معطاء لتسقط لاحقا في أتون الرداءة و سوء التسيير، فلا :
§ الشباب المعطاء المبهر حظي بالتكوين و التأطير و التشجيع،
§ و لا المواكبة للتطور التكنولوجي في المجال تأتت و بنت جيلا صقيل المواهب رفيع الأداء،
§ و لا منصات إنتاج برامج رأت النور فأثمرت نتاجا إعلاميا يساهم في عملية التنمية الشاملة و يقدم للخارج من البلد عبر الفضاء صورا مشرقة.
و تراكمت الديون بشقيها المستحقين لشركة البث و الصحفيين و العمال و الفنيين لتدخل هذه القنوات الخصوصية مرحلة التوقف عن الإرسال و وأد التجربة الضعيفة و الإجهاز في المهد على أحلام الشباب الشرعية.
فهل يرفع هؤلاء أيديهم عن الحقل بل عنه "سلطة رابعة" و دعامة ديمقراطية مثلى لتستفيد بواسطتها البلاد من إستراتيجية موقعها بين العالمين العربي و الإفريقي، و القطبين المغاربي و الغرب إفريقي، و من خيراتها التي لا تحصى في تنوع نادر، و من وحدة معتقدها الذي يحظر النفاق و التملق و الكسل و الكبر و النرجسية و الادعائية و هي كلها صفات تحظى على العموم و لعوامل تاريخية معلومة بالكثير من التبني و الاحتضان إذ لا عيب مطلقا في تقمصها بل و الإسراف في حملها أسفارا على الظهور متعة تستخدم غالبا و من دون حياء عند كل حاجة تحس.
و أني لإعلام ملتزم، يخدم القضايا الوطنية، يرفع سهم المدنية و يحمل لواء التحضر و التنوير لدى المواطن، أن ينجح في ظل تكاثر ذئاب المكر فيه على لب رسالته و مصدر قوته، يرفلون في ترف العطايا من النهب و الفساد بدون مقابل و قد أسروا الإعلام بين قضبان "محبسي البدايات الخاطئة و النهايات المقلقة"، بينما يشقى الخيرون أصحاب الضمائر الناصعة البياض و المواقف الشريفة و الحريصين على سلامة البلد و علو شأنه ؟ 
و إنه لمن البديهي في دوائر "الوعي" و مقامات "النضج" أن توقف الإعلام في بلد ما و من أي الأنواع كان مكتوبا أو مرئيا أو مسموعا مدعاة للريبة في أهله قبل توجيه أصابع الاتهام إلى أية جهة عداهم، أحرى أن تساءل عنه، لأن الإعلام الصحيح المبني على القناعة الراسخة و الإرادة الصادقة و المهنية الحقيقية هو شبيه بالرياح العاتية لا يوقفها حاجز، و هو أيضا كالأكسجين ضروري لدبيب الحياة في الكائنات لتحريك أوصالها و تنشيط وظائفها حتى تؤدي تلقائيا الأدوار المنوطة بها.