ليت غيرك قالها يا شنقيطي..!!

اثنين, 05/08/2017 - 10:03

بالأمس وجميع الموريتانيين ما زالوا بين غمرات الحزن والأسى, وعبرات البؤس والجوى حُزناً على رئيسهم السابق المرحوم اعل ولد محمد فال الذي اختطفته يد المنون اختطافاً على حين غرَّة من الجميع, وإنَّ الموت لطوافٌ خطوف...يفاجئنا من يوصف أو يصف نفسه أوْ يدَّعي أوْ يُدَّعى له أنه المفكر (...) بتدوينة ألهبت المشاعر وأججت الأحقاد..!! وحزَّتْ في غير مفصل في الزمان والمكان الخطأ..!! الله يعلم أنني لمْ ألتق الرئيس المرحوم اعل ولد محمد فال في حياته أبداً ولوْ لقاءاً عابراً وربما لا أشاطره الرأي في كثير من مواقفه وأهدافه..., لكنني ما كنت أتصور مطلقاً أنَّ خلافاتنا واختلافاتنا الدنيوية والسياسية والقومية والإيدولجية...ربما تُرافق بعضنا وحتى مضارب الموت والفناء عُبوراً إلى الدار الآخرة!! 

ما كنتُ أتصور أنَّ خلافتنا البينية تعمينا عن المروءة ومكارم الأخلاق...!!

وإنما الأممُ الأخلاق ما بقيتْ***فإن همُ ذهبتْ أخلاقهمْ ذهبوا

***********************************************

وليس بعامر بنيانُ قوم***إذا أخلاقهمْ كانتْ خرابا

ما كنتُ أتصورُ أنَّ اختلافاتنا وانقساماتنا.. حول الشؤون العامة تصل بنا أوْ ببعضنا حدَّ الشماتة في الموتى ولمَّا تجفَّ المآقي من النّحيب والبكاء,

أوْ يُطوى بساط المواساة والعزاء..!! إنَّ لله في خلقه شؤون!

قلْ للشامتين بنا رُويداً***سَيلقى الشامتونَ كما لقينا

ما كنتُ أتصور أنه يمكن لأحدٍ ومهما كان يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يذكر الموتى إلاَّ بخير أوْ بصمتٍ وذالك أضعف الإيمان امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم: {اذكروا محاسن موتاكمْ, وكفوا عن مساويهم} أوْ كما قال صلى الله عليه وسلم, أبو داوود في الأدب والترمذي في الجنائن.

ما كنتُ أتصور أنَّ أحداً ومهما كان مشربه ومستواه.., يسمحُ لنفسه بالتفتيش في عيوب الموتى ومثالبهم..اللهم إلاَّ إذا كان من الخوارج وأمثالهم!!

ما كنتُ أتصور ما كنت أتصور ما كنت أتصور...!!

إنَّ من يقرأ تدوينة محمد المختار الشنقيطي عن الرئيس المرحوم اعل ولد محمد فال يظن بل يقطع أنَّه وتر آبائه وأجداده..وشتت أبنائه وأحفاده...!!

يا شنقيطي ليت غيرك قالها,! ما ذا يضرك لوْ سكت عنها؟ وهلْ نفعتك إذ قلتها؟ أما كان من الأحرى بك إكراماً للميت وامتثالا للحديث الآنف واستئناسا بقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:

تكلمْ وسَددْ ما استطعتَ فإنما***كلامك حيٌ والسكوت جماد

فإن لمْ تجدْ قولاً سديدأ تقوله***فصمتك عن غير السداد سداد

أنْ تصمت ما دمت غير قادر على ذكر محاسن الميت كما ينبغي؟ّ؟!! بل فوق هذا كله أما كان من الأجدر بك أنْ تقدر حساسية الموقف وظروف أهالي الفقيد ومحبيه المفجوعين في أحب الناس إليهم أيَّما فجيعة ؟؟!!

  إنَّ الأمير العادل عمر بن عبد العزيز دخل عليه أحد رجالاته بعد موت الحجاج ابن يوسف الثقفي فرحاً مسروراً وهو يردد لقدْ مات الطاغية المبير الذي سفك وهدم وقتل وفعل وفعل...! فقال له رحمه الله تعالى صهْ يا هذا ودَعْ عنك الحجاج إنَّ الحجاج عبد من عباد الله وقدْ أفضى إلى ما قدم وإنَّ الله عدل ولا يظلم عنده أحداً فكما يأخذ من الحجاج يأخذ له.., رحم الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز ما أوْرَعه وأزهده وأعدله...,

إنني وللأسف الشديد وكما أسلفت آنفاً لمْ يتحْ لي أنْ أتعرَّف عن قرب على الرئيس المرحوم اعل ولد محمد فال حتى أتحدث عن مكارمه وخصاله..ومآثره ونواله.., بكل ما أملك من حُجة وبرهان..لكنني مع هذا أعلم علم اليقين أنَّ من تربع على إدارة الأمن في البلاد على مدى عشرين سنة مديدة, عرفت فيها البلاد أحداثاً جساماً وأطواراً عظاماً.. وأكثر من ذلك قاد الدولة بأسرها زهاء سنتين شهدت فيهما تطورات كثيرة وتحولات كبيرة في مجال الديمقراطية والتعدد.., وخرج من كل هذا وذاك فارعَ القامة سامق الهامة...طيِّب الذكر فائحَ العطر..لمْ يستطعْ أيٌّ كان من المتربصين الدوائر في الخارج أوْ الداخل بهذه البلاد العزيزة على كثرتهمْ أنْ يصمه وصمة عار, أوْ يتوعده بشنار..!! لخير دليل على قيمة الرجل وبسالته, وسمو قدره وعدالته..,  

ولقدْ طالعت أيضاً الكثير والكثير مما كُتب عنه في وسائل التواصل الاجتماعية بعد وفاته من مدح ورثاء وشعر وثناء.. ولقدْ أجمع جميع الكتاب والمدونين والساسة والمثقفين على كريم خصاله وعلى دماثة خلقه ونضاله.. في ساحات الوغى واستبساله, دفاعاً عن وطنه واستقلاله ورفاهيته وازدهاره.., كما دونوا عن مدى كرمه ونواله.. وبشاشته في وجه كل زواره وعن وعن...!! حتى خُيِّل إليَّ أننا وأننا جميعاً غمطنا الرجل حقه كقائد فذٍ وهو ما زال بين ظهرانينا وهكذا سنة الحياة فإنَّ الأبطال لا يعطون حقهم إلاَّ بعد موتهم وفناهمْ كما يقول الشاعر الماضي:

المرءُ ما دامَ حَياً يُسهان به***ويعظم الرُّزءُ فيه حين يُفتقد

أو على حدٍّ قول الآخر:

لأعهدنَّك بعد الموت تندبني***وفي حياتيَّ ما زودتني زادا!!

ولقدْ شاهدت عن بعدٍ عبر الشاشات الصغيرة ومواقع التواصل الاجتماعي الفآم من الناس ومن شتى المشارب والمسالك والاتجاهات والإيدولجيات والمستويات... من رئيس الجمهورية وحتى المواطن العادي يُرابطون أمام جامع ابن عباس رغم تأخر الليل وشدة الصقيع دون كلل أوْ مللٍ انتظاراً للصلاة عليه وتشييعه إلى مثواهُ الأخير, إنَّ إجماعَ واجتماع هذا الكم الهائل من الناس ومن مختلف الطيف والمستويات كما أسلفت ليعدُّ تزكية لهذا الرجل ومساره, وحبه من الجميع ودلاله.., فإنَّ هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة, كما قال العلامة سيد عبد الله ابن الحاج إبراهيم:

واحكمْ بصدق خبر التواتر***وسوِّ بين مُسلم وكافر

جزا الله جميع الموريتانيين خيراً على هبتهم لتشيع الرئيس المرحوم اعل ولد محمد فال وإحسانهم, وعلى مواساة ذوي الفقيد واحتضانهم...غير خزايا ولا نادمين.., اللهم إنيَّ أشهدك وملائكتك وجميع خلقك إن كان لي حق على الرئيس المرحوم اعل ولد محمد فال كمواطن عادي من وطن تولى أمره برهة من الزمن فإنني أسمح له وأسامحه عن كل فتيل وحقير ونقير وقطمير....

اللهم ارحم عبدك وابن عبد وابن أمتك اعل بن محمد فال الذي كان يشهد في حياته قبل مماته ألاَّ إله إلاَّ أنت وحدك لا شريك لك وأنَّ محمداً عبدك ورسولك, اللهم ارحمه واغفرْ له واعف عنه وعافيه اللهم أكرمْ نزله ووسعْ مدخله واغسله بالثلج والماء والبرد اللهم باعد بينه وبين خطاياه كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم أبدله أهلا خيرا من أهله وداراً خيرا من داره وأسكنه اللهم الفردوس الأعلى مع الذين أنعمت عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا, اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وارحمنا إذا صرنا مثله بجودك وكرمك يا ذا الجلال والإكرام.

وإنَّ القلب ليحزن وإنَّ العين لتدمع ولا نقول إلاَّ ما يرضي ربنا جل وعلا ولله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيءٍ عنده بمقدار وإنا لله وإنَّا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم, هو حسبي ونعم الوكيل

ولله الأمر من قبل ومن بعد, وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب   

بقلم/: المصطفى بن أمون [email protected]