غياب المنتج المحلي.. تفريط في استقلالية البلد

ثلاثاء, 03/29/2016 - 11:47
الولي ولد سيدي هيبه

في كل عواصم الدنيا و مدنها الكبرى، من "دكا" في "بنغلادش" إلى "داكار" في "السنغال"، قلبُ صناعة نابض و رئةُ اقتصاد معطاء يلبيان ضرورات الاكتفاء و استقلالية البناء التنموي النهضوي المطلوب و  يستجيبان لكل احتياجات المواطن الحياتية اليومية الضرورية و استقلاليته عن الخارج. و تدعى هذه الأعضاء الحيوية "المناطق الصناعية" التي تتوسع و تتمدد بتطور أدائها و تفرع أقسامها و تنوع اختصاصاتها لتشغل مزيدا من المواطنين و تلبي الضروري و المستجد من المتطلبات.

و بهذا الدور المحوري تدعى هذه الفضاءات الجيوية بـ"المنطقة الصناعية" التي تُعرف كذلك بـ"المدينة الصناعية" أو "المدينة التجارية" و هي "منطقة مخصصة" ومُخطط لها لغرض "التنمية الصناعية". و أما الشكل "الأبسط" منها فهو مجمع الأعمال أو مجمع المكاتب الذي يحتوى على المكاتب والصناعات الخفيفة و المنتجات المحلية عوضا مرحليا عن الصناعات الثقيلة.

و غالبا ما تتواجد هذه المناطق الصناعية على أطراف أو خارج المناطق السكنية الرئيسية للمدينة أو البلدة التي تحتضنها و تتوافر فيها وسائل المواصلات و من ضمنها الطرق والسكك الحديدية كما هو حال العدد الكبير من المدن الصناعية بطول نهر التيمز في منطقة بوابته بالمملكة المتحدة، و قريبا منا في "روفيسك" بالسنغال و منطقة ميناء الدار البيضاء بالمملكة المغربية و في الجزائر و باماكو عاصمة دولة مالي على الحدود.

 و تقع على العادة هذه المناطق الصناعية على بالقرب من مرافق النقل حيث تتواجد على وجه الخصوص وسائط عديدة كالطرق المزدوجة و السكك الحديد و المطارات و الموانئ. و هي، بهذه الوضعية المريحة تتشكل مناطق صناعية تنتج لبلدانها و شعوبها مادة صناعية محلية خالصة، بسواعد أبنائها الذين اكتسبوا المهارات و الخبرات اللازمة، لتحمل علامات و أختام دولها فخرا و اعتزازا.

و إذا كانت سلطات هذه البلدان هي الراعية و الحامية لهذا المد الصناعي و الموجهة بسياسات رشيدة إلى تحقيق الاستقلال و الاكتفاء الذاتيين، فإن لرجال أعمالها الوطنيين، المخلصين و المبهرين بقدراتهم التسييرية و هممهم العالية و مهاراتهم التخطيطية و نأيهم عن عادة نهب الأموال العمومية و تبذير المقدرات الوطنية دورا رياديا و بصمة بارزة بعيدا عن روح الجمع العشوائي و التكديس الهستيري للأموال في البنوك بالداخل و الخارج و في مغارات البيوت من دون تفعيل أو استثمار فيما ينفع البلد و يشَغل و يكَون المواطن و يبني الصرح و يحقق اكتفاءه و يرفع قدره بين البلدان.

فلماذا لا تحظى مدن هذا البلد الذي يمتلك من المقدرات ما يبرر قيام نهضة صناعية فيه أكثر من غيره في الجوار و في شبه المنطقة، و ظهور دوائر صناعية و مكاتب تجارية و مناطق حرة، حيوية، مرنة و مجهزة بما يضمن استقطابها للحركة التجارية العالمية التي لا تعرف التوقف؟

أهو العجز عن التخطيط الاستراتيجي للتنمية وعن بناء منظومة صناعية وطنية عصرية جاذبة للاستثمارات الغربية و العربية ذات القيمة المضافة العالية و القادرة على استيعاب وتطوير التقنيات والتكنولوجيات الحديثة وتوظيفها لإنتاج سلع صناعية موريتانية متطورة وذات قدرة تنافسيّة عالية على غرار البلدان الصناعية الصاعدة؟

أم هو غياب القدرة وضع السياسات التدريجية إلى ذلك و تهيئة الأطر الكفيلة بمرافقة تطبيقها و تحديد المعايير اللازمة لمتابعتها و توجيه مساراتها و تصحيح و تقويم مآلاتها و مخرجاتها النهائيىة إلى المستهلك الوطني و الأسواق المحلية و الخارجية ؟

أم هو إحجام رجال المال و الأعمال من أهل البلد عن الاستثمار في الصناعة حفاظا على أموالهم الطائلة على شكل سيولة و عقار أخرس، ضاربين بعرض الحائط مسألة المشاركة في بناء قواعد صناعية للبلد تشغل فئة الشعب الحية و تحمي أفرادها ها و ذويهم من الفقر و العوز، متجاهلين أن النهضة الصناعية  تعد أساس التنمية الحقيقية لكونها السبيل الوحيد لخلق و تحديث كافة القطاعات الاقتصادية الحيوية كالفلاحة على الضفة و الصيد البحري في المياه الإقليمية و استخراج المناجم والخدمات و تكيرير البترول و استغلال و استخدام الغاز، واكتساب التكنولوجيات والتقنيات الحديثة الكفيلة بتمكين الدولة من ذلك و من استغلال ثرواتها الطبيعية من خلال اكتساب الحد الأدنى من الاستقلالية العلمية و المالية؟

أم هو بالنهاية نتاج التخلف عن ركب الأمم ما زال يلقي بكل ظلاله الداكنة على عقليات أهل البلد الرافضة التغيير و المولية الدبر للتحول الحاصل من حوله؛ عقليات عاجزة عن الخروج من شرنقة اعتبار الدولة "البقرة الحلوب" التي لا يتاح لمس ضرعها إلا لكل قوي عنيد و مراوغ شديد وراءه واق من حديد كما هو الحال منذ زمن بعيد؟