هذيان العقيد

أربعاء, 01/20/2016 - 14:01
عثمان جدو

لم يخف "العقيد" في مقاله [المقاومة الوهمية] أن الذين يتحدث عنهم ويدافع باستماتة ؛كانوا حين المعركة المذكورة إلى جانب الفرنسيين الغزاة مهما كانت طبيعة ذلك محاذاة أومحاكاة أو موالاة .. وكان أولئك الفرنسيون عكسريون بامتياز ، وبالرغم مما يعنيه وجود عسكريين فرنسيين ،مستعمرين،على أرض مستعمرة ، مغتصبة من أهلها ، مسلوبة حريتهم ، منتزعة سيادتهم ، أتاهم غرباء ؛لإذعانهم في أرضهم واستعبادهم ؛مع أنهم ولدوا أحرارا ..! بالرغم من ذلك يصر صاحبنا على إظهار وجهه ورفع أنفه ، والدفاع عن المستعمر ومن والاه والاندفاع نحو الهجوم المليئ بالحقد على من آثروا الوقوف إلى جانب الوطن والذود عنه ..!

ما معنى الاصطفاف إلى جانب الغزاة الكفرة ؛المختلفين معنا في الملة ؟، وما معنى مساعدتهم والانتصار لهم والموت دونهم ؟ ، أليسوا هم الغزاة المحاربين ؛ المعبدين للرجال المغتصبين لما حلا لهم من النساء ؛المنتزعين للخيرات ؛ المنصرين للصغار رغما عن الكبار..؟

لقد وجد الفرنسيون على أرض *شنقيط* لتحقيق أطماعهم التوسعية ؛التي كانت السبب وراء انتشار الاستعمار في العالم ، ولم تكن بلاد شنقيط هي المستعمرة الأولى ؛كما لم تكن هي الأخيرة ؛ لكن استعمارها من قبل الفرنسيين لم يكن اعتباطا ؛ بل جاء للربط بين مستعمراتهم ذات الشعوب العربية و الأخرى ذات الشعوب الإفريقية ، ولكون شنقيط تشكل همزة وصل بين تلك الدول .. ومهما تمت صياغة المبررات لذلك ومهما {عرض} به من فتاوي ؛آن ذاك ؛مع صدق الحدث ؛لم يكن إلا واجهة شكلية لم تكن لتمنع الفرنسيين من القدوم إن هي لم تصدر عن شيخين جليلين أحدهما "سلفي" والآخر "صوفي" .. لكن المستعمر الماكر الذي نشأ مهندسه في بلادنا 《كبولاني》في الجزائر وفيها تلقى تعليما إسلاميا شيئا ما ، وتعرف على حضارة المسلمين وعزز ذلك بتتلمذه على الطريقة "الفاضلية" في أقصى بلاد شنقيط ؛لم يكن ليعدم الحيلة للدخول إلى استعمار البلاد من البوابة الإسلامية ؛لعلمه التام بطبيعة المجتمع المسلم وتأثره وتبعيته لشخصياته العلمية ، ولقد نجح في ذلك ؛لما استفتى "الشيخين" عن حكم المسلم الذي لا يجد الأمن على نفسه وماله من أخيه المسلم؛ هل له أن يستعين بالكافر على هذا المسلم الذي لا يأمن منه على نفسه وماله ؛إن كان ذلك الكافر يوفر له الأمن على نفسه وماله .. وقد كان الجواب إيجابيا بالنسبة لمهندس الاستعمار الماكر ؛حيث انقسم العلماء الأجلاء قسمين ؛ فمنهم من يرى جواز دخول المستعمر واستعانة المسلم به على أخيه المعتدي ؛كالشيخين "السلفي"و"الصوفي" ومنهم يرى عكس ذلك ويرى في الأمر ما هو أبعد وأخطر ؛ وأن هؤلاء الكفار نجس لا أمن لهم ولا أمان عندهم ولا يواليهم مؤمن مهما كانت الدواعي والأسباب ، ومن أمثال هؤلاء العلماء "الشيخ ماء العينين" مثالا لا حصرا وهو شقيق الشيخ الصوفي في الجانب الآخر ،وانقسم الناس تبعا لذلك ؛رحمهم الله جميعا.

لقد نجح المستعمر الخبيث في إحداث انقسام داخل المجتمع ؛ فوالاه من والاه حبا وكرامة ، وعارضه من عارضه إيمانا وقناعة .. ولقد استفاد هذا المستعمر من استياء "البسطاء" من هيمنة وبطش "الأمراء" ؛والذي كان أحد الأسباب التي دفعت بالشيخين إلى الإفتاء بما أفتو به ؛ فلقد كان المستعمر الكافر في بعض الحالات أرحم بهؤلاء البسطاء من بعض أولئك الأمراء ؛لأنهم قتلوا واستباحوا اعراضا وأموالا بصراعاتهم وتناحرهم وفرقتهم وشقاقهم ومطاردتهم لأوهامهم أيام السيبة في بلاد السيبة ، لكن كل ذلك لا يبرر لنا مطلقا ؛ النظر بندية لمن حاربوا ضد المستعمر ومن حاربوا إلى جانبه ، أو بالأحرى مباركة الوقوف إلى جانب المستعمر والدفاع عنه ، وشيطنة المقاومة ووصف الشرفاء المدافعين عن الوطن بالمارقين وقطاع الطريق ؛ كما فعل صاحبنا..!

ومهما كانت قلة العتاد وبدائية الوسائل فإن ذلك لا يعد منقصة حربية ولا معرة مبدئية ، فالذين حاربوا المستعمر الغاشم ولو بعصا أو بسكين ؛مهما ظلمهم كاتب التاريخ وحاكيه في ذلك اليوم وغيب ذكر كثير منهم لأسباب أو لأخرى ؛فإن الواجب علينا اليوم أن نحترمهم ونعترف لهم بجهدهم مهما كانت بساطته في أعيننا وتداخل أهدافه في تصور بعضنا .. وعلينا أن لا ننكر أن تلك المعارك التي خاضها هؤلاء ضد المستعمر  كان لها وقع كبير عليه في المال والنفس ؛ فلقد سلبت من المستعمر وأعوانه أموال كثيرة وعتاد مختلف ، ولقد قتل من أبنائه -دون أسف- كثيرون منهم العسكريون ومنهم المدنيون ؛ماتوا على هذه الأرض وفي هذه المعركة [أم التونسي] التي أخذ صاحبنا ؛مثالا وتفصيلا ؛ فهلاك ضباط فرنسيين وجنود في هذه المعركة إنجاز وانتصار للمقاومة وتاج على رؤوس المقاومين مهما كان عددهم وقوتهم وجهة انطلاقهم ومهما كان انتماؤهم ، ثم إن أرض "البيضان" لم تكن حين ذاك بتقسمتها الحالية ؛بل كان هناك تواجد قبلي وامتداد يمتد معه التعريف .. وما تجزئة الصحراء وأزواد إلا زرع ماكر وتفرقة مدبرة بهندسة استعمارية وما الحدود الوهمية التي اصطنعتها أيادي الاستعمار إلا ليظل حضوره إلى الأبد كثر ذلك أم قل.

إن مما لا شك فيه أن رحى المعركة إذا دارت بين مستعمر غاصب ومغلوب على أمره ظلم وغصب حقه ومنع ماله وأهله ؛سيكون المنحاز للأول غاصب مثله والمنحاز للثاني منتصر لصاحب الحق وإن كانت تجمعهم الأسرة الواحدة ؛العبرة بالاتجاهين اللذين لا يقبلان ثالث ..!

أخيرا ما الفائدة من إثارة النعرات في هذه الفترة بالذات ؟
ما المغزى الحقيقي من الحقد على الأموات ومحاولة اختراق الذاكرة الشعبية التي تحتفظ لهم بالطيبة؟ 
ما السر في ذكر أن فلانا هو من قتل علانا ؟ 
أليس هذا إذكاء للفتنة التي لعن موقظها ؟ أليس في الأمر استنهاض لعقلية الثأر؟ ، لما التعريض بالقبائل والأشخاص وتسميم الجو القبلي المشحون أصلا؟ 
إذا لم تسلم هذه المعركة وهؤلاء المقاومين من المحرفين لمجرى التاريخ ؛هل يسلم غيرهم؟ 
ألم يوصف أب الأمة من طرف آخرين بما نتسامى عن تفاصيل ذكره لفداحة خطئيته ولعدم إيماننا بصدقه سواء "العمالة" لفرنسا أو "التبعية" للمغرب في فترة لاحقة..!؟ وسنبقى نكن له الاحترام دون مزايدة أو تأليه .
إن النابشين في القبور الحاقدين على الأموات المذكين للفتن المثيرين للنعرات ؛ لاينبغي أن نتركهم يسرحون ويمرحون بثقافتهم المشوهة وتباكيهم على ماضي أسيادهم المشبع بالعهر الفكري والاغتصاب المشرع وزرع أجيال السفاح الذين ترتفع أصواتهم وتتضوع منها النتانة والكره لمن سلم دربه واخضر من أسلافنا الأماجد ..

علينا أن نأخذ على أيدي وألسنة هؤلاء قبل أن يحدثوا فينا ما ينعشون به ذاكرتهم الموبوءة التواقة إلى الانحلال والفجور..